فرنسيس الأسيزي.. وتنصير المسلمين

أرسل البابا فرنسيس الكردينال ليوناردو ساندري، رئيس مجمع الكنائس الشرقية، الى مصر للاحتفال بمرور ثمانمائة عام على حضور القديس فرنسيس الأسيزي، سنة 1219، مرافقا للحملة الصليبية الخامسة، ليلتقي السلطان الحاكم الكامل، في مدينة دمياط، لدعوته الى اعتناق المسيحية، دون جدوى، بل استضافه السلطان وعاد هو والحملة مهزومين..

كانت مدينة دمياط ذائعة الصيت أيام الحروب الصليبية في القرن الثاني والثالث عشر. وفي سنة 1169 حاولت الحملة الصليبية مهاجمة الميناء لكن صلاح الدين تصدى لها وهزمهم. وعند إعداد الحملة الخامسة سنة 1217 قرروا أن تكون دمياط هدف الحملة. والسيطرة على دمياط يقتضي السيطرة على النيل. وتصور الصليبيون أنه يمكنهم السيطرة على مصر من هذه المنطقة للاستيلاء عليها ومنها الى فلسطين لاستعادة القدس. وتمت محاصرة الميناء سنة 1219، لكنهم هزموا سنة 1221 عند مشارف القاهرة وتم طردهم من مصر. وكانت مدينة دمياط هدفا مرة أخرى أيام الحملة الصليبية سنة 1249، لكنها فشلت أيضا. وهو ما يكشف عن نوايا وأهداف تتواصل بإصرار وتتكرر بدأب للاحتلال والتنصير.. ولا يعنيها الزمن..

وفرنسيس الأسيزي هو مؤسس أخوية يسوع للتبشير، لذلك يعتبره الفاتيكان مؤسس بدعة ما يسمونه: “الحوار بين الأديان”، وهو الاسم الذي اختاره يورج ماريو برجوليو، يوم تم انتخابه، كنموذج كنسي يتحذى لبابويته يوم 13 /3/2013، وأصبح اسمه “البابا فرنسيس”. أي ان جوهر رسالة هذا البابا هي ترسيخ عملية التبشير لتنصير العالم. وهو ما يتم بإصرار وبسرعة لافتة للنظر اعتمادا على جهل المسلمين بمحتوى نصوصهم.

ولو عدنا الى الأيام القليلة الماضية وزيارة البابا التاريخية المهينة، لأبو ظبي وللمسلمين كافة، لأدركنا أنها تدور في نفس النطاق التنصيري. فهو القائل في الخطاب الطويل الذي ألقاه هناك أنه بدأ هذه الرحلة: “بروح تعترف بجميل الرب، في هذه الذكرى المئوية الثامنة للقاء بين القديس فرنسيس الأسيزي والسلطان المالك الكامل، انتهزت الفرصة لآتي هنا كمؤمن [أي كمسيحي] متعطش للسلام، وأخ يبحث عن السلام مع اخوانه”. وفي طائرة العودة قال البابا عن تلك الوثيقة: “أنها خطوة الى الأمام نبعت منذ خمسين عاما، من مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، وعلينا أن ننميها. ويقول المؤرخون أنه لكي يترسخ المجمع في الكنيسة فهو بحاجة الى مائة عام. فنحن في منتصف الطريق. وذلك ما أردت لفت النظر اليه”.. وعبارة “ترسيخ المجمع في الكنيسة” تعني ان يتم تنفيذ قراراته بالكامل. وأهم قراران له كانا: تبرئة اليهود من دم المسيح ؛ وتنصير العالم.. وتبرأة اليهود تمت ليتعاونا معا ـ بعد غرسهم في فلسطين ـ على اقتلاع الإسلام.

ولو تذكرنا ما قاله في القداس الذي أقامه في مصر، عندما حضر سنة 2017، ندرك الكثير من حقيقة الموقف. فقد وجه البابا فرانسيس كلامه آنذاك للكنسيين قائلا: “أيها القطيع الصغير الكاثوليكي [أى التابعين له]، لا تيأسوا فأنتم الخميرة التي أعدها الله لهذه الأرض المباركة.. أنتم النور والملح، أنتم القاطرة التي تقود هذا المجتمع.. ان هويتكم تعني أن تكونوا “أقباط”، أي منغرسين في هذا البلد، وأن تكونوا “كاثوليك” أي جزء من الكنيسة الواحدة العالمية”. وهي عبارة مقتضبة ندرك منها عامة الدور الذي يقوم به المسيحيون في هذا البلد.. تحت عباءة المواطنة.. ونفهم منها ازدواجية الخطاب والمعايير حتى بين الكنائس المختلفة او المنشقة. كما أسس في نفس الزيارة (2017)، إعداد الاحتفالية الخاصة بمناسبة حضور فرنسيس الأسيزي، التي نحن بصددها…

ولو تتبعنا رحلة الأسبوع الذي أمضاه الكردينال ساندري، مندوبا عن البابا فرنسيس للمشاركة في الاحتفالات المقامة بمناسبة مرور ثمانمائة عام على زيارة فرنسيس الأسيزي لتنصير السلطان المالك، لرأينا أنه قد زار كنائس وأبرشيات مصر من سوهاج الى دمياط، ووضع حجر الأساس لبناء كاتدرائيتين في الصعيد وافتتاح ثالثه في شرم الشيخ وغيرها في طنطا، وزار إحدى القرى التي لا يسكنها سوى مسيحيون فقط، وهي مسألة تثير عدة علامات استفهام.. وفي دمياط، حيث أقيم الاحتفال الرسمي بتلك المناسبة التنصيرية، افتتح كنيسة جديدة وبارك فيها لوحتان: احداهما تمثل زيارة العائلة المقدسة (التي لم تحضر الي مصر)، والثانية تمثل زيارة القديس فرنسيس للسلطان الكامل. أي ان كل ما يعني الفاتيكان ومؤسساته واتباعه هو ترسيخ الوجود المسيحي في مصر، في نفس الوقت الذي يقومون فيه بجهود مكثفة لمحو هوية الإسلام والمسلمين..

وفي الرسالة التي وجهها الكردينال ساندري للكنسيين في إبراشية أسيوط، أشار الى الصداقة التي تربط البابا فرنسيس وشيخ الأزهر، والتي قطعت شوطا كبيرا بوثيقة أبو ظبي قائلا: “مع الأخذ في الاعتبار بأننا مدركون تماما للماضي وصفحته السوداء المؤلمة، لكن آن الأوان بالنسبة لنا ان نطوي الصفحة: سواء بين اسراتنا وجماعاتنا، بين كاثوليك من مختلف الملل، وبين إخواننا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وتجاه أتباع الإسلام”.

أي انه أتى للمصالحة بين مختلف الفرق والملل الكاثوليكية أولا لتدعيم دورهم التبشيري، ثم بين الكاثوليك والكنيسة القبطية بفرقِها، وكل ما عانوه من اضطهاد، فقد نبذ الفاتيكان الكنيسة القبطية ولعنها سنة 1054، لدرجة أنه نسى وجودها ولم يتذكرها الا حينما احتاجها لعملية تنصير مصر والمصريين.. وقد بدأ البابا شنودة الثالث أول خطوة للمصالحة كعادة الفاتيكان.. وثالث بند في المصالحة وجهه الكردينال ساندري للمسلمين ولكل ما عانوه من حروب صليبية واستعمارية وتنصيرية..

ثم أطلق عبارة، لا أدرى هل قالها عمدا أم افلتت منه، إذ قال: “.. وأدركنا وجود حضور مسيحي منذ ألف عام [أى منذ لفظهم الفاتيكان سنة 1054].. ومنّا العديد من الأخوة والأخوات قد قرروا أنه يتعيّن علينا أن نسلك طريقا جديدا، وأن نكون أكثر وعيا، لا يشوّه وجه الرب ولا اسمه بأيديولوجيات ضد الإنسان وكرامته. أدركنا ان الاحتجاج والإدانة أو المظاهرات لا تكفي [وهذا اعتراف ضمني بالدور الذي لعبوه في ثورة يناير..]. ثم واصل قائلا: يجب أن نسير معا، ونلتقي، ونحترم بعضنا بعضا، وأن نطالب الجميع بنفس الشيء”.. وهو ما يؤكد ان الفاتيكان التفت وتنبه الى وجود مسيحيين في الشرق الأوسط وخاصة في مصر، حينما احتاجهم لتنصير المنطقة وتحديدا لتنصير مصر والمصريين.. فهل هناك وضوح أكثر من ذلك؟

وأهم ما نخرج به من هذه الزيارة التي تؤكد، بكل وبمختلف المقاييس، استمرار الإصرار الفاتيكاني على تنصير مصر والشرق الأوسط، وعلى ما يتناولونه بصراحة في اجتماعاتهم ووثائقهم، “التي يحضرها ويقودها المسيح” كما قال الكردينال، وكذلك بناء على قرارات مجمع الفاتيكان الثاني لتنصير العالم.. فالإعداد لزيارة البابا لأهم البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط يتم بانتظام. وان كان المغرب على رأس القائمة حاليا، فهو سيزورها يومس 30 و31 الشهر الحالي، إلا انه وفقا لما قاله الأنبا يوحنا قلتا في جريدة الأهرام في 5/3/2019 بوضوح لا لبس فيه، يؤكد ان الجدول الزمني جاهز وفي طريق التنفيذ بنظام الخطوة خطوة، إذ قال بوضوح: “بل لعل يوما نسمع عن زيارة البابا للحجاز الأرض المقدسة عند المسلمين كافة، وتستقبله السعودية بعد ان عشنا وشهدنا الوفود منها تتبادل الزيارة لفاتيكان”..

ومثل هذه العبارة من المحال ان تكون عشوائية تحت قلم مثل هذا الأنبا الكاثوليكي، وانما هي بالونه اختبار او اول جس نبض صريح، تنفيذا لمقولة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني: ” ما معني ان تكون ارض الحجاز مقدسة، كفاهم سور الحرم في مكة وفي المدينة، وباقي الأرض يجب ان تُرشق بالكنائس والصلبان”.. ولو ربطناها بتصريح البابا فرانسيس وهو عائد من أبو ظبي: “أنها خطوة الى الأمام نبعت منذ خمسين عاما، من مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، وعلينا أن ننميها. ويقول المؤرخون أنه لكي يترسخ المجمع في الكنيسة فهو بحاجة الى مائة عام. فنحن في منتصف الطريق. وذلك ما أردت لفت النظر اليه”..

أي ما معناه أنه خلال الخمسون عاما القادمة ستكون منطقة الحجاز والسعودية والبلدان الإسلامية في الشرق الأوسط قد أصبحت في براثن الفاتيكان..

والسؤال الذي يجب طرحه: هل مثل هذه المحاولة التنصيرية التي قام بها القديس فرانسيس الأسيزي جديرة بأن نحتفى بها ؟ يكفي ان نتأمل عدد الكنائس الذي تم بناؤه بلا تراخيص، وقد نشرت جريدة الأهرام يوم 4/3/2019 “أنه قد تم تقنين أوضاع 168 كنيسة، ويبلغ عدد الكنائس والمباني التي تم توفيق أوضاعها منذ بدء عمل اللجنة وحتى الآن 508 كنائس ومبان تابعة”.. وذلك من حوالي خمسة آلاف كنيسة مخالفة ومنها قلاع خرسانية مقيتة الشكل والمعنى !!

فهل هذه التنازل الممجوجة من جانبنا تدفعنا للمزيد ؟ هل الي هذا الحد نساهم جهلا لاقتلاع الإسلام بأيدينا بمواصلة قبول عمليات التنصير التي تدور خطوة خطوة، بلا مبالاة، أم نفيق ونعي ما يدور وما يُفرض علينا قبل فوات الأوان ؟ ان الحقوق المدنية للمواطنة شيء، واقتلاع الإسلام بهذا الإصرار شيء آخر..

                                                                                  زينب عبد العزيز

                                                                                   6 مارس 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *