لعبة الحوار بين الأديان

البابا يوحنا بولس الثاني يقبل القرآن بيد وينتزعه باليد الأخرى

 

لقد تزايد استعمال كلمة ” الحوار” في السنوات الأخيرة بصورة لافتة للنظر، وبتنويعات متعددة، وإن كان أهمها وأكثرها خطورة هي عبارة: “حوار الأديان”. ولكي ندرك مدى أهمية وخطورة هذه العبارة فلابد من الرجوع إلى عام 1965م، ذلك العام الذي اُختُتِمتْ فيه أعمال المؤتمر الفاتيكاني المسكوني الثاني (1962 – 1965م) الذي يعتبر أول مجمع هجومي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، إذ إن كافة المجامع السابقة كانت عبارة عن مجامع دفاعية تلفيقية.
ولقد تم اتخاذ عدة قرارات مصيرية في هذا المجمع الفاتيكاني ومن أهمها:
*  تبرئة اليهود من دم المسيح.
* اقتلاع اليسار في عقد الثمانينيات.
* اقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات.
* توصيل الإنجيل إلى كافة البشر.
* تحميل عملية التبشير على كافة المسيحيين؛ الكنسيين منهم والعلمانيين، والاعتماد في ذلك أيضاً، على كافة الكنائس المحلية.
* توحيد الكنائس ” المنشقة” تحت لواء كاثوليكية روما.
ولعل أحداً لم يلتفت آنذاك إلى حقيقة عبارة: “توصيل الإنجيل إلى كافة البشر” إلى أن قام البابا يوحنا بولس الثاني بتوضيحها صراحةً عام 1982م حينما أعلن في مدينة: “شانت يقب” بشمال غرب إسبانيا، بوضوح لا مُواربة فيه مطالباً بضرورة تنصير العالم.
وأثناء انعقاد ذلك المجمع المسكوني (1962 – 1965م) قام الفاتيكان عام 1964م بتكوين منظمتين أساسيتين هما: ” المجلس البابوي للحوار مع الديانات ” و ” اللجنة العليا لتنصير الشعوب”. وهاتان المنظمتان على اتصال دائم بالعاملين في بعثات التبشير والحوار الديني بالعالم أجمع، إذ إنهما من أهم الإدارات الفرعية والمنظمات التي تضمها الإدارة البابوية.
ولا يتسع المجال هنا لنورد كل المراجع الكنسية التي تتضمن شرحاً لمعنى: “الحوار” من وجهة النظر الفاتيكانية، لكنَّا سنورد بعض النماذج لأهم هذه الشروح، ففي عام 1969م، أي بعد انعقاد المجمع بأربع سنوات، أصدر الفاتيكان كتاباً بعنوان: “توجيهات من أجل الحوار بين المسيحيين والمسلمين” (1) نذكر منه ما يلي من العبارات والتوجيهات:
* هناك موقفان لابد منهما أثناء الحوار: أن نكون صرحاء، وأن نؤكد مسيحيتنا وفقاً لمطلب الكنيسة. (وقد بات مطلب الكنيسة معروفاً.)
* أخطر ما يمكن أن يوقف الحوار: هو أن يكتشف من نحاوره نيتنا في تنصيره.
* يجب تفادي الدخول في مناقشات حول ما يرِد في القرآن بشأن المسيح المسيحية، ولنترك المسلم يتساءل عنها كيفما شاء، وعلينا أن نتذكر أن قبولنا لسر المسيح يمثل سر إيماننا.
* على جميع المسيحيين المهتمين بالحوار تفادي الحديث عن مُحمد بأي استخفاف، وألا يبدو عليهم أبداً ازدراء ذلك الحماس الذي يحيطه به الإسلام، وعدم إنكار دوره الديني كمبشر دائم وشجاع للتوحيد الذي نشره المسلمون فيما بعد.
* من أهم عقبات الحوار ما قمنا به في الماضي ضد الإسلام والمسلمين، وهذه المرارات عادت للصحوة حالياً، وقد أُ ضيفت الآن قضية إسرائيل وموقف الغرب منها، ونحن كمسيحيين نعرف ما هي مسئوليتنا حيال هذه القضية، وعلينا أن نبحث دائماً عن توجه إنساني، خاصة أن حل هذه المشكلة ليست في أيدينا.
* لا يكفي أن نتقرب من المسلمين، بل يجب أن نصل إلى درجة احترام الإسلام على أنه يمثل قيمة إنسانية عالية وتقدماً في التطور الديني بالنسبة للوثنية.
* مراعاة سوء فهم المسلم للعقيدة المسيحية، لأن العبارات الوارد ة في القرآن عن المسيحية تشوهها، فهم ينفون التثليث وتجسد الله في المسيح، وأي حوار في هذا المجال سيُواجه بالفشل ما لم يغير المسلم من موقفه.
* في أي حوار يجب على المسيحي أن يقنع المسلم بأن المسيحية قائمة على التوحيد، وألا يناقش أية تفاصيل، فأى كلام سيقوله المسيحي تبريرا ً للعقيدة لن يمكنه أن يقنع به المسلم الذي لا يرى في الثالوث إلا المساس بالتوحيد، ويستند في ذلك إلى سورة “التوحيد” أو “اًلإخلاص”.
* ضرورة القيام بفصل المسيحية في حد ذاتها عن العالم الغربي ومواقفه المعادية، ومواقفه الاستعمارية فالمسلم لم ينس ذلك بعد..
* على من يقوم بالحوار من المسيحيين فصل ما هو ديني عمَّا هو دنيوي في المواقف السابقة للكنيسة والغرب من الإسلام والمسلمين والبحث عن نقاط مشتركة.
* يجب الاعتماد على الغرس الثقافي، وعدم إغفال الدور الذي يقوم به الغرب في العالم الثالث من تغيير حضاري.
* لابد من اشتراك الجميع في الحوار، وليس العاملون في الكنيسة وحدهم.
* وفي شهر كانون الأول / ديسمبر عام 1984م أصدر البابا يوحنا بولس الثاني إرشاداً بعنوان: “بشأن المصالحة والتوبة في رسالة كنيسة اليوم” (2) وهو خطاب يقع في 128 صفحة، مكون من ثلاثة أجزاء، نطالع في الفصل الأول من الجزء الثالث منه موضوعاً عن “الحوار” هو البند رقم 25، ويقع في ست صفحات.. ومما جاء فيه:
* إن الحوار بالنسبة للكنيسة هو عبارة عن أداة، وبالتحديد عبارة عن طريقة للقيام بعملها في عالم اليوم.
* إن المجمع الفاتيكاني الثاني قد أوضح أن الكنيسة هي علامة لتلك الأخوة التي تجعل الحوار الصريح ممكناً وتزيده قوة، وذلك بمقتضى الرسالة التي تتميز بها، وهي: إنارة الكون كله ببشارة الإنجيل، وتوحيد البشر بروح واحدة.
* إن على الكنيسة أن تكون مستعدة دائماً لإقامة “حوار” مثمر بين كل الذين يؤلفون شعب الله الواحد، وأن تتمكن من إقامة حوار مع المجتمع البشري.
* لقد خصَّ سلفنا بولس السادس عملية “الحوار” بقسم مهم من رسالته العامة المبدوءة بعبارة: “كنيسته” حيث وصف “الحوار” وحدده تحديداً له دلالته؛ إذ قال عنه: “إنه حوار الخلاص”.
* أن الكنيسة تستعمل طريقة الحوار لكي تحْسِنَ حمل الناس على الارتداد والتوبة سواء أكانوا أعضاء في الجماعة المسيحية بالتعميد والاعتراف بالإيمان، أم هم غرباء عنها، وذلك عن طريق تجديد ضميرهم وحياتهم تجديداً عميقاً في ضوء سر الفداء والإخلاص اللذين حققهما المسيح ووكلهما لخدمة الكنيسة.
* أن الحوار الصحيح يرمي إذن، وأولاً، إلى تجديد كل فرد بالارتداد الباطني والتوبة، مع احترام كل الضمائر، اعتماداً على الصبر والتأني والتقدم خطوة خطوة وفقاً لما تقتضيه أحوال الناس في عصرنا.
* تقوم الكنيسة بتشجيع الحوار المسكوني بصفة خاصة؛ أي الحوار بين الكنائس والجماعات الكنسية التي تعترف بالمسيح ابن الله والمُخَّلِص الوحيد، وكذلك الحوار مع سائر جماعات الناس الذين يبحثون عن الله ويتوقون إلى إقامة علاقة اتحاد معه.
* إن الكنيسة الكاثوليكية بجميع فئاتها تسير بصدقٍ في طريق الحوار المسكوني، بعيداً عن التفاؤل السهل، ولكن بحذر وبلا تردد أو تباطؤ.
* إن حوار المصالحة الذي تلتزم به الكنيسة على الأخص من خلال نشاط الكرسي الرسولي وأجهزته المختلفة حوار معقد دقيق، ويمكن القول: ” إن الكرسي الرسولي يسعى إلى التدخل لدى حكام الشعوب والمسئولين عن مختلف المحافل الدولية، أو الانضمام إليهم بإجراء الحوار، أو حضهم على الحوار لمصلحة المصالحة وسط صراعات عديدة.
*والعلمانيون، الذين يتخذون التبشير بالإنجيل ميدانا ً لنشاطهم الخاص في عالم السياسة والاجتماع والاقتصاد الواسع المقصد، وفي الحياة الدولية، مدعوون للاتحاد برعاتهم والالتزام بالحوار مباشرة لمصلحة الحوار من أجل المصالحة، فالكنيسة هي التي تقوم بعملها من خلالهم   وبواسطتهم.
ومن أهم الوثائق التي صدرت فيما يتعلق بالحوار مع الديانات الأخرى نصَّان أساسيان؛ أولهما هو: الخطاب الرسولي للبابا يوحنا بولس الثاني والمعنون: “رسالة الفادي” الصادر في 7 من كانون أول / ديسمبر عام 1990، وقد تم إعلانه يوم 23 من كانون ثانٍ / يناير 1991، وثانيهما وثيقة “حوار وبشارة”، والمؤرخة في 19 مايو عام 1991، وتم الإعلان عنها في يوم 20 من يونيو، وهي من إعداد لجنة الحوار والمجلس الأعلى لتبشير الشعوب، وتأتي على مسافة خمسة أشهر من خطاب البابا السالف الذكر.
والعلاقة الموضوعية بين الوثيقتين تكمن في أن الخطاب الرسولي للبابا يؤكد ويفرض أن عملية فداء المسيح قد تمت من أجل خلاص جميع البشر. الأمر الذي معناه إخضاع جميع البشر لعملية التنصير المُلحة التي تم اتخاذ قرارها في المجمع الفاتيكاني الثاني (عام 1965)، والتي طالب بها البابا علناً عام 1982. أما الوثيقة الثانية فتعني، اختصاراً، كيفية عملية التنصير هذه، وكيفية القيام بها من خلال الحوار.
وتقع وثيقة “رسالة الفادي” في 144 صفحة، وتضم ثمانية فصول، ويتضمّن الفصل الخامس منها خمس صفحات عن “الحوار مع الإخوة من ديانات أخرى” نقتطف منها الآتي:
* إن الحوار بين الديانات يشكل جزءا من رسالة الكنيسة التبشيرية، وهو لا يتعارض مع رسالة التبشير إلى الأمم، بل على العكس من ذلك، أنه مرتبط بها بصفة خاصة، ويعد تعبيراً عنها، لأن هذه الرسالة موجهة إلى أُناس لا يعرفون المسيح ولا إنجيله. وهم في أكثريتهم الساحقة ينتمون إلى ديانات أخرى.
* لقد نوه المجمع الفاتيكاني بإسهاب، وتعاليم السلطة الناجمة عنه، وأكد بثبات دائماً على أن الخلاص يأتي من المسيح، وأن الحوار لا يعفي من التبشير بالإنجيل.
* وفي ضوء المخطط من أجل الخلاص، فإن الكنيسة لا ترى أي تناقض بين التبشير بالمسيح والحوار بين الديانات، لكنها تشعر بضرورة تنسيقهما في إطار رسالتها إلى الأمم، لأنهما متميزان.
* إن الكنيسة تعترف طواعية بكل ما هو حق ومقدس في التقاليد الدينية عند البوذية والهندوسية والإسلام كانعكاس للحقيقة التي تنير للبشر جميعا، إلا أن ذلك لا يخفف من واجبها وعزمها على الإعلان بل ا تردد أن يسوع المسيح هو الطريق، والحق، والحياة.
* على الحوار أن يوجه وينمى بالإقناع أن الكنيسة هي الطريق العادي للخلاص، وأنها وحدها تملك كل وسائل الخلاص.
* مع العلم بأن الحوار يمكن أن يكون مصد ر غنى لكل جانب إلا أنه يجب ألا يكون هناك استسلام ولا تساهل، بل شهادة متبادلة بغية تقدم هؤلاء وأولئك في طريق البحث والاختيار الديني، وبغية تجاوز الأفكار المسبقة وعدم التسامح وسوء الفهم.
* يرمي الحوار إلى التطهير والاهتداء الداخليين اللذين إذا ما تما في خضوع تام للروح القدس أثمرا روحياً.
* أن المؤمنين جميعاً والجماعات المسيحية كلها مدعوة لممارسة الحوار حتى وإن لم يكن على نفس المستوى، وبأشكال متماثلة.
* أن إسهام العلمانيين في هذا الحوار ضروري: إذ يستطيع المؤمنون من خلال أمثلة حياتهم وعملهم أن يحسِّنوا العلاقات بين أتباع الديانات المختلفة، فضلاً عن أن البعض منهم بوسعه الاسهام في الأبحاث والدراسات.
* إن الحوار هو الطريق إلى الملكوت، وهو بالتأكيد سيعطي ثماره، حتى وإن كانت الأزمنة والأوقات في علم الأب.
* أما وثيقة “حوار وبشارة” (4) فتتكون من تسعة وثمانين بنداً، وهي مُقسَّمة إلى (13 بنداً)، وثلاثة أجزاء (73) بنداً، وخاتمة (3 بنود). والجزء الأول فيها بعنوان: ” الحوار بين الأديان”
(14– 54)، والثاني بعنوان: “التبشير بيسوع المسيح” (55 – 76)، والثالث بعنوان:
“الحوار بين الأديان والتبشير” (77– 86). وقد صدرت هذه الوثيقة في ذكرى مرور خمسة وعشرين عاماً على صدور وثيقة مجمع الفاتيكان الثاني والمعنونة: “في زماننا هذا” حول علاقات الكنيسة مع الديانات الأخرى، وهي توضح أهمية الحوار بين الديانات في هذه العلاقة القائمة على ازدواجية رهيبة بين القول والتنفيذ.. فالحوار والتبشير يمثلان وجهي عملة واحدة هي رسالة الكنيسة التبشيرية، وهي وثيقة مقدمة من اللجنتين المسئولتين عن إعدادها كبرنامج ومنهج عمل للكنيسة العالمية، بما في ذلك الكنائس المحلية، وقد قام بالتوقيع عليها الكاردينال أرنزي، المسئول عن الحوار مع المسلمين. ومما ورد بهذه الوثيقة:
* إن سرعة وسائل الاتصال وتحرك الشعوب وتداخلها قد أوجد نوعاً من الوعي الجديد بالتعددية الدينية، فالديانان الأخرى لم تعد تكتفي بالتواجد ببساطة، أو ببقائها صامدة، بل،  في بعض الأحيان، تعرب عن صحوة جديدة، فهي مازالت تلهم  وتؤثر على حياة الملايين من أتباعها، ففي الإطار الحالي للتعددية الدينية لم يعد من الممكن تناسي الدور المهم الذي تؤديه التقاليد الدينية .
* إن هذه الوثيقة مقدمة لأتباع الكاثوليكية ولبقية أتباع الكنائس الأخرى لتوحيد الجهود، لذلك تنتهي المقدمة بتوضيح دلالة بعض العبارات الأساسية التي ترد طوال النص، ومنها شرح الكلمات التالية:
* التبشير: عبارة لها أكثر من معنى، ومنها توصيل النبأ السعيد إلى الإنسانية جمعاء، وتغيير أعماق الإنسان بواسطتها، وقيام الكنيسة بفرض الارتداد بواسطة الطاقة الإلهية للرسالة التي تبلغها للأفراد والجماعات، والتبشير صراحة وبوضوح وبلا مُواربة بيسوع المسيح.
* الحوار: تتسم هذه العبارة بأكثر من معنى أيضاً، أولاً: الاتصال المتبادل بغية تحقيق هدفٍ معين. ثانياً: اتخاذ موقف من الاحترام والصداقة الذي يجب أن يتسم به كافة أ نشطة إرسالية التبشير؛ أي ما يسمى بروح الحوار. ثالثاً: مجمل العلاقات الإيجابية والبناءة بين الأديان مع جماعات العقائد المختلفة بغية المزيد من التعارف والإثراء مع الطاعة الكاملة للحقيقة واحترام حرية كل فرد.
* البشارة: تعني توصيل الرسالة التبشيرية وسر الخلاص الذي حققه الله للجميع في يسوع بقوة الروح القدس، ويمكن القيام بذلك على الملأ، ويمكن القيام بذلك سراً في صيغة حوارات خاصة.
* الارتداد: إن فكرة الارتداد تتضمن دائماً اتجاه الإنسان بالكامل إلى الله ومن ناحية ثانية        تعني تغيير الانتماء الديني، وخاصة الدخول في المسيحية.
* أديان وتقاليد دينية: وتشتمل هذه العبارة على الديانات التي يروق لها الانتساب إلىعقيدة إبراهيم، وكذلك التقاليد الدينية الكبرى لآسيا وأفريقيا وبقية العالم.
وبخلاف هذه الإيضاحات الواردة في المقدمة فإننا نطالع في بقية الوثيقة على سبيل المثال:
* إن الحوار مع الديانات الأخرى ليس نزوة من نزوات الكنيسة الحالية، وإنما هي رسالة مُبلَّغة من الأب ليتم تطبيقها على كافة الأمم.
* إن الله قد خلق كل الرجال والنساء على صورته، وبذلك فإن مصير الجميع واحد، فلا يوجد سوى خطة خلاص واحدة متمركزة في يسوع المسيح الذي قد توحَّد بتجسده بكل إنسان بلا استثناء، وأياً كانت عقيدته الدينية.
* الديانات الأخرى رغم ما بها من قيم إيجابية، هي انعكاس لمحدودية الفكر الإنساني الذي يميل إلى اختيار الشر، والتعامل مع الديانات الأخرى لا يعني أن يغمض المسيحي عينه على ما بها من تناقضات تفصل بينها وبين المسيحية، وذلك يعني أن الدخول في حوار بفكرٍ مفتوح مع أعضاء الديانات الأخرى يجب على المسيحيين إقناعهم بصورة سليمة بالتأمل في فحوى ومتناقضات عقائدهم.
* يتعين على المسيحيين أن يساعدوا مؤمني العقائد الأخرى على التطهر من تراثهم الديني لتقبل عملية الارتداد.
* إن أعضاء الديانات الأخرى مأمورون بالدخول في الكنيسة، بمعنى انها تمثل السر الذي يوجد فيه ملكوت الله.
* الحوار يدخل في مهمة الكنيسة من أجل الخلاص لذلك فهو حوار من أجل الخلاص.
* الحوار يتم من أجل الخلاص، يعني ارتداد الجميع إلى الرب، وذلك هو ما يعطي قيمة ذاتية للحوا ر، وأثناء عملية الارتداد هذه يتم القرار بالتخلي عن العقيدة الدينية السابقة والدخول في عقيدة جديدة.
* أهم مجالات الحوا ر بين مجا ل الأديان هو مجال الثقافة، لأن مفهومها أ وسع من مفهوم الدين الذي لا يمثل سوى بعدا ً تصاعدياً وا حداً، أما الثقافة، وخاصة العلمانية، فيمكنها أن تقوم بدور نقدي با لنسبة لبعض العناصر السلبية في ديانة أو أخرى.
* رغم كل المصاعب والعقبات فإ ن التزام الكنيسة با لحوار ثابت ولا رجعة فيه.
* إن تقديم الرسالة التبشيرية ليست مساهمة اختيارية بالنسبة للكنيسة، إنه الواجب الذي يقع عليها بأمر ا لرب يسوع   حتى يمكن للبشر أن يؤمنوا ويُنْقذوا.  نعم هذه الرسالة ضرورية، إنها فريدة ولا يمكن استبدالها، ولا تتحمل أية لامبالاة، ولا أية تلفيقيه، ولا أية مواءمة، إنها متعلقة بخلاص البشر.
إن نصوص هذه الوثائق من الوضوح بحيث إنها ليست بحاجة إلى توضيح، أو حصر لنقاطها الأساسية. فالموقف لم يعد يترك أي مجال للشك، أو التخمين، أو لافتراض أي بصيص من حسن النية، فتنصير العالم بات أمراً يتم تنفيذه بالفعل منذ اتخاذ هذا القرار في المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني عام 1965، وعلى حد قول كافة الوثائق التي تتناول هذا الموضوع. إن تنصير العالم هو قرار لا رجعة فيه، ويتم فعلاً، وباستخدام كافة الوسائل شريطة أن يتم تدريجياً وبعناية فائقة وصبر طويل دون أن ينكشف أمر من يقومون به.
غير أن الأمر اللافت للنظر هنا هو تغيير وسائل وأساليب التبشير من الناحية العملية؛ أي أنها لم تعد تتم عن طريق فرق المبشرين والمستشرقين فحسب، وإنما أصبحت تقع على عاتق كافة أتباع المسيحية، أياً كانت انقساماتهم العقدية، مع تغيير الأسلوب القائم على السب والتجريح والسخرية وتحريف معاني القرآن الكريم والسنة؛ حيث إنه أسلوب قد ثبتت عدم فعاليته على مر القرون، فالإسلام، ولله الحمد، ينتشر بثبات ورسوخ لنقائه وبساطة تعاليمه. وبتغيير منهج التبشير أصبح الاعتماد على الدراسة والتحليل والبحث عن منافذ للتسلل من خلالها بالتدريج هو القانون الجديد، إضافة إلى تفادي المناقشات الجادة المتعلقة بمناقشات العقيدة المسيحية الحالية من تثليث وتأليه للسيد المسيح وعبادة الصليب إلخ، والتلفع بمسوح الود والاحترام حتى تتم عملية الاغتيال.
ومما تقدم نخرج بأن الحوار في مفهوم الكنيسة الفاتيكانية ليس إلا حرباً صليبية جديدة؛ حرباً بالكلمات بدلاً من السلاح، وهو ماكان قد أعلنه بطرس المبجل، رئيس دير كلوني، في مطلع القرن الثاني عشر؛ إذ قال: ” إنه لن يبدأ حرباً صليبية جديدة ضد المسلمين بالسلاح، وإنما بالكلمات، أي بالحوار”، (5). الأمر الذي يوضح أن لعبة الحوار الحالية التي تُدار على الصعيد العالمي هي جزء متواصل من مخطط  قديم بدأه بطرس المبجل مع “مسلمي إسبانيا وتمخض عن إبادتهم جميعاً، والقاء الإسلام بعيدا عن إسبانيا”، على حد قول  جوليان  رييس  (صفحة : 245)، والذي يوضح بعد ذلك بمائة صفحة تقريباً “كيف أنه بازدهار الإمبريالية الأوروبية، طوال القرن التاسع عشر، قد بدأ احتلال مواقع استراتيجية  تم انتزاعها من المسلمين، ومنها مصر وإيران وأفغانستان والمشرق العربي وشمال افريقيا” صفحة: (356) فالارتباط الحميم بين الا ستعمار والتبشير والحوار من القضايا التي لم تعد بحاجة إلى مزيد من الأدلة والبراهين.
وإذا عدنا إلى مطلع هذا المقال، وإلى قرارات ذلك المجمع الفاتيكاني ، الذي تم فيه تكريس وتدعيم مخطط الحوار والتنصير، والذي لم يكن في واقع الأمر إلا الخطة التنفيذية لاستتباب العولمة وفرضها على العالم أجمع، بحيث لا يكون هناك سوى نظام سياسي واقتصادي واحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، ونظام ديني واحد بزعامة الكاثوليكية الفاتيكانية، وربطنا كل ما يدور حالياً، وكل ما بدأت حياكته منذ عام 1965م من اختلاق عبارات من قبيل    “الإسلاميين” و”الإسلام السياسي” و “الإرهاب الإسلامي”، وتعمد تشويه صورة الإسلام والمسلمين، مستعينين بكل وسائل الإعلام من تعتيم وترويج وصولاً إلى سن قانون حماية الأقليات المسيحية في البلدان الإسلامية بعد أن حملَّهم المجمع المشاركة الإجبارية في عمليات التبشير، ووضعهم بذلك أمام محنة الولاء ، ولمن يكون ؛ للتعصب الفاتيكاني، أم للوطن الذي ويأويهم ويرعاهم ؟ … إذا ما ربطنا بين كل هذه الخيوط وغيرها، فلم نذكر إلا الشذرات، وبين ما يدور من أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية، لأدركنا فداحة الموقف، ولأدركنا ضرورة أن يفهم كل المسلمين بعامة، وكل الذين يشتركون منهم في إجراءات الحوار، حقيقة أبعاد تلك اللعبة بالنسبة للغرب وللتعصب الفاتيكاني؛ إذ إن ذلك المخطط “لا رجعة فيه” كما أكده البابا يوحنا بولس الثاني في أكثر من موقع، وأكثر من وثيقة.

                                        

 زينب عبد العزيز                 

   2006

   كشف المراجع:                                                                                            

1- P .Marella , Cardinal : Orientation  pour un dialogue entre Chrétiens et musulmans   éd. Ancona , Roma , 1991 .

2-  يوحنا بولس الثاني: “المصالحة والتوبة قي رسالة الكنيسة اليوم”، منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، الفاتيكان، 1984م .

3- John Paul ІІ : “Redemptoris Missio” Libreria editrice Vaticana , 1991.

4- F. Arinze , Cardinal : “Dialogue et Annonce” Document du Conseil  Pontifical pour le Dialogue inter religieux et de la Congrégation pour l’Evangélisation des peuples, 1991

5- Julien Ries : ” Les Chrétiens parmi les religions” Desclée , Paris , 1987 .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *