ماكرون.. والأهداف الخفية لزيارته

في الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحرمه لمصر، من 27ـ 29 يناير 2019، وُضع ضمن برنامج زيارته الرسمية لقاء مع شيخ الأزهر وآخر مع البطريرك تواضرس الثاني. ومن اللافت للنظر ان يضع البطريرك تواضرس الثاني ضمن البرنامج المكثف للزيارة مشاهدة كنيسة بطرس وبولس، التي تعرضت لهجوم في ديسمبر 2016. وكأن ذلك دليل قاطع على تعرض الأقباط للقتل باستمرار أو ذلك هو حالهم الذي يتكبدونه في مصر. وهو ما تشير اليه الجرائد الفرنسية، خاصة الكنسية منها، تعليقا على الزيارة.

وفي العرض الذي تناولته العديد ن الصحف الفرنسية وتم نشر تلك الصورة التي يقف فيها الرئيس الفرنسي في حركة مسرحية مفتعلة وهو يتحسس بأسى بالغ أحد آثار الرصاص المفتعل الاستدارة والوضوح رغم دهان العمود، وكأن المطلوب فقط هو إظهار “الإرهاب الإسلامي” و”وحشية المسلمين”.. ذلك الإرهاب الذي اصطنعه الغرب الصليبي المتعصب ودبره وسلّحه وأطلقوا عليه مسميات داعش، وأسيس، وآي إى، ثم تناسوا أنهم هم الذين ابتدعوه ليلصقوه بالإسلام وحده وانه هو الوحيد المدان وفي قفص الاتهام! وتقول صحيفة “أليثيا” الفرنسية الكنسية أن الرئيس الفرنسي وحرمه هم اللذان أصرا على القيام بهذه الزيارة تخليدا لذلك الهجوم الإجرامي.. لاستبعاد شبهة فكرة ان البطريرك تواضرس هو المسؤول.

ومن اللافت للنظر، ما كتبه الرئيس الفرنسي في سجل الزيارات: “إن أقباط مصر هم تكوين أساسي للمجتمع المصري. وفرنسا مرتبطة بازدهارهم، وأنني لأنحني أمام ذكري أقباط مصر الذين سقطوا من جراء الهجمات الوحشية للإرهاب”! وبهذه المناسبة أعرب ماكرون عن تأييده للحوار بين الأديان وأنه الحل في مواجهة عالم في أزمة، مؤكدا: “أن دور فرنسا في المنطقة هو “مزيد من المساندة لمجمل مسيحيو الشرق”. كما أكد: “إقامة مؤتمر قريبا في باريس لدراسة أفضل الحلول لمساندة مسيحيو الشرق”.. ولا أفهم ما شأن ماكرون، الرجل السياسي بالحوار بين الأديان إن لم تكن جميعها منظومة تخريبية واحدة ؟

وفي مقال آخر نشر بنفس الجريدة، تم التنويه رسميا عن إقامة ذلك المؤتمر الجديد حول مسيحيو الشرق، بادئا بعبارة ماكرون القائلة: “أن أقباط مصر هم تكوين أساسي للمجتمع المصري”.. وتحت عنوان آخر هو: “فرنسا محرك أساسي” تشير الجريدة الى التقرير الذي تقدم به شارل برسوناز لقصر الإليزيه، في 3 يناير 2019، بناء على طلب ماكرون! والتقرير بعنوان “كيفية الدفاع عن مسيحيو الشرق”، موضحا ان الهدف الذي يرمي اليه الرئيس الفرنسي هو: “تقوية ما تقوم به فرنسا من أجل حماية تراث الشرق الأوسط ومساندتها للمجال التعليمي للجماعات المسيحية في المنطقة وتدعيم ثراء تعددية الثقافة والطابع المتعدد الأديان الذي تتسم به مناطق الشرق الأوسط”..

وقد اقترح شارل برسوناز على الرئيس الفرنسي المساهمة في عمل حصر وحماية التراث المسيحي لهذه الجماعات “المتوارثة لفن وفكر عقيدة هي من أعمق الجذور التي ساعدت على قيام المجتمعات العربية”.. ولم يغفل التقرير التأكيد على ان اجتماع مجلس الأمن في نيو يورك، في مارس 2015 لتناول مصير الأقليات المسيحية المضطهدة في الشرق الأوسط، قد تم بمبادرة من الرئيس ماكرون.

والجدير بالملاحظة الربط بين ذلك العرض السابق من الأحداث وبين افتتاح معرض “مسيحيو الشرق:2000 عام من التاريخ” الذي أقامه معهد العالم العربي من 26 سبتمبر 2017 الى يناير 2018، والكلمة التي ألقاها ماكرون في خطاب الافتتاح ومنها: “ان فرنسا قد جندت نفسها أكثر من أي دولة أخري لصالح جماعة مسيحيو الشرق”!

وفي مقال آخر كتب سيلفان دوريان عن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للبابا فرنسيس يوم 26/6/2018، أي حوالي خمسة أشهر قبل زيارته لمصر، موضحا ان الوجود المسيحي في الشرق الأوسط وكيفية تأييده وتأكيده، كان من الموضوعات الأساسية التي دارت في لقاء البابا فرنسيس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.. وما اهتم بعرضه هذا الكاتب وتناوله بشيء من الإسهاب هو الدور الذي يمكن أن يقوم به كلا منهما من أجل دوام وجود مسيحيو الشرق حيث هم. فالبابا فرنسيس له تأثير حاسم في مسألة الأقليات المسيحية في الشرق كرئيس ديني لا يكف عن الإعراب “أنهم في سبيلهم الى الانقراض”. أما دور الرئيس ماكرون فبحكم أنه رئيس دولة لها علاقات تاريخية مع هذه الشعوب، فانسحاب داعش على حد قوله لا يعني أنه وضع حدا لهجرة الأقباط.

وحول الدور الذي تقوم به المدارس الفرنكوفونية التابعة للكنيسة وللدولة الفرنسية، فهي تقبل في المتوسط حوالي 40 % من الطلبة المسلمين. وهو ما يمثل عملية اختراق وتلاعب بالهوية الإسلامية بشكل ممنهج لا بد من التعرض له. ويرى كاتب التقرير “أن الاعتماد على هذه المدارس وما يمكن لفرنسا أن تقدمه فيها أقل مخاطرة بكثير من المجال الحربي أو أية مغامرة عسكرية مشكوك فيها من أجل حماية هذه الأقليات”.

ولو تأملنا أهم العناصر التي تخللت أحداث زيارة ماكرون وحرمه لمصر لوجب الإشارة إلى: مسرحية زيارة كنيسة بطرس وبولس ؛ تأييد ماكرون لضرورة استمرار لعبة “الحوار بين الأديان” ؛ إقامة مؤتمر جديد في فرنسا لحماية المسيحيين ؛ التقرير الذي طلبه ماكرون لتناول كيفية الدفاع عن مسيحيو الشرق الأوسط ؛ تقوية الدور الذي تقوم به فرنسا في المدارس التي تشرف عليها ؛ تدعيم ثراء تعددية الثقافة وتعددية الأديان ؛ عمل حصر وحماية التراث المسيحي الذي ساعد على قيام المجتمعات العربية ؛ إصرار الغرب على استخدام عبارة “الأقليات المسيحية” بينما تتبارى القيادات الإسلامية في طمس معالم الإسلام من أجل “المواطنة” التي بات من المؤكد أنها عبارة فضفاضة يتم من خلالها خلخلة هوية الإسلام والمسلمين بالتسلل البطيء الأكثر أمنا من المواجهة في المعارك والحروب.

وبغض الطرف عما بكل هذه المواقف من مغالطات تاريخية أو ما تمثله من دور اختراقي تنصيري، تري هل أدركنا شيئا كمسلمين، من الأهداف الخفية لزيارة اكرون مما يدور ومما يحاك، ومما يتم استخدامه من وسائل لطمس معالم الإسلام والمساهمة في اقتلاعه جهلا أو عن عمد بأيد بعض المسلمين ؟؟

                                                                                          زينب عبد العزيز

                                                                                          2 فبراير 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *